ابن أبي العز الحنفي

384

شرح العقيدة الطحاوية

المحب يحب ما يحب محبوبه ، ويبغض ما يبغض ، ويوالي من يواليه ، ويعادي من يعاديه ، ويرضى لرضائه ، ويغضب لغضبه ، ويأمر بما يأمر به ، وينهى عما ينهى عنه ، فهو موافق لمحبوبه في كل حال . واللّه تعالى يحب المحسنين ، ويحب المتقين ، ويحب التوابين ، ويحب المتطهرين ، ونحن نحب من أحبّه اللّه . واللّه لا يحب الخائنين ، ولا يحب المفسدين ، ولا يحب المستكبرين ، ونحن لا نحبهم أيضا ، ونبغضهم ، موافقة له سبحانه وتعالى . وفي « الصحيحين » عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، ومن كان يحبّ المرء لا يحبه إلا للّه ، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه اللّه منه ، كما يكره أن يلقى في النار » « 504 » . فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه ، وولايته وعداوته . ومن المعلوم أن من أحب اللّه المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه ، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ الصف : 4 . والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر ، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة ، والحبّ والبغض ، فيكون محبوبا من وجه ومبغوضا من وجه ، والحكم للغالب . وكذلك حكم العبد عند اللّه ، فإن اللّه قد يحب الشيء من وجه ويكرهه من وجه آخر ، كما قال صلى اللّه عليه وسلّم ، فيما يروي عن ربه عز وجل : « وما تردّدت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت ، وأنا أكره مساءته ، ولا بد له منه » « 505 » . فبين أنه يتردد ، لأن التردد تعارض إرادتين ، وهو سبحانه يحب ما يحب عبده المؤمن ، ويكره ما يكرهه ، وهو يكره الموت فهو يكرهه ، كما قال : « وأنا أكره مساءته » ، وهو سبحانه قضى بالموت فهو يريد كونه ، فسمى ذلك ترددا ، ثم بيّن أنه لا بد من وقوع ذلك ، إذ هو يفضي إلى ما أحب منه .

--> ( 504 ) أخرجه الشيخان عن أنس . ( 505 ) صحيح ، وهو طرف من حديث تقدم بتمامه ( رقم 458 ) ، وتكلمت عليه هناك .